المَسْخ : قَلْبُ الشيء و تحويل صورته إلى ما هو أقبح منها .
و المُسُوخ : على وزن دُروس و بُخور ، جمع المَمْسوخ .
و لقد مسخ الله عَزَّ و جَلَّ جماعة من البشر إلى حيوانات و حشرات مختلفة ، غير أن الممسوخين لم يبقوا أكثر من ثلاثة أيام ثم ماتوا و لم يتوالدوا ، و الحيوانات التي تُعدُّ اليوم من الممسوخات إنما سُمّيت مُسوُخاً استعارةً ، لكونها على صور أولئك الممسوخين ، و لهذه الحيوانات أحكام خاصة في الشريعة الإسلامية .
القرآن الكريم و المسخ :يصرّح القرآن الكريم في عدد من الآيات بأن الله عَزَّ و جَلَّ قد غضِب على جماعة من الناس فمسخهم إلى قردة و خنازير .
قال عَزَّ و جَلَّ : ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ [1] .
و قال جَلَّ جَلالُه : ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴾ [2] .
و قال عَزَّ مِنْ قائل : ﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ [3] .
الأحاديث الشريفة و المسخ :عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) يَقُولُ " ... إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَسَخَ سَبْعَمِائَةِ أُمَّةٍ عَصَوُا الْأَوْصِيَاءَ بَعْدَ الرُّسُلِ ، فَأَخَذَ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْهُمْ بَرّاً ، وَ ثَلَاثُمِائَةٍ بَحْراً ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [4] " [5] .
وَ رَوَى الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ( عليه السَّلام ) ، أنهُ قَالَ : " الْمُسُوخُ مِنْ بَنِي آدَمَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ صِنْفاً ، مِنْهُمُ الْقِرَدَةُ ، وَ الْخَنَازِيرُ ، وَ الْخُفَّاشُ ، وَ الضَّبُّ ، وَ الْفِيلُ ، وَ الدُّبُّ ، وَ الدُّعْمُوصُ [6] ، وَ الْجِرِّيثُ [7] ، وَ الْعَقْرَبُ ، وَ سُهَيْلٌ [8] ، وَ الْقُنْفُذُ ، وَ الزُّهَرَةُ ، وَ الْعَنْكَبُوتُ ... " [9] .
وَ رَوَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ [10] عَنْ آبَائِهِ ( عليهم السلام ) ، عَنْ أمير المؤمنين عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ ( عليه السَّلام ) ، أنهُ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) عَنِ الْمُسُوخِ ؟
فَقَالَ : " هُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ : الْفِيلُ ، وَ الدُّبُّ ، وَ الْخِنْزِيرُ ، وَ الْقِرْدُ ، وَ الْجِرِّيثُ ، وَ الضَّبُّ ، وَ الْوَطْوَاطُ [11] ، وَ الدُّعْمُوصُ ، وَ الْعَقْرَبُ ، وَ الْعَنْكَبُوتُ ، وَ الْأَرْنَبُ ، وَ سُهَيْلٌ ، وَ الزُّهَرَةُ ... " [12] .
المُسوخ و علة مسخها :رَوَى عَلِيُّ بْن جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ( عليه السَّلام ) أنهُ قَالَ : الْمُسُوخُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ : الْفِيلُ ، وَ الدُّبُّ ، وَ الْأَرْنَبُ ، وَ الْعَقْرَبُ ، وَ الضَّبُّ ، وَ الْعَنْكَبُوتُ ، وَ الدُّعْمُوصُ ، وَ الْجِرِّيُّ ، وَ الْوَطْوَاطُ ، وَ الْقِرْدُ ، وَ الْخِنْزِيرُ ، وَ الزُّهَرَةُ ، وَ سُهَيْلٌ " .
قِيلَ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) مَا كَانَ سَبَبُ مَسْخِ هَؤُلَاءِ ؟
قَالَ : " أَمَّا الْفِيلُ فَكَانَ رَجُلًا جَبَّاراً لُوطِيّاً لَا يَدَعُ رَطْباً وَ لَا يَابِساً ، وَ أَمَّا الدُّبُّ فَكَانَ رَجُلًا مُؤَنَّثاً يَدْعُو الرِّجَالَ إِلَى نَفْسِهِ ، وَ أَمَّا الْأَرْنَبُ فَكَانَتِ امْرَأَةً قَذِرَةً لَا تَغْتَسِلُ مِنْ حَيْضٍ وَ لَا جَنَابَةٍ وَ لَا غَيْرِ ذَلِكَ ، وَ أَمَّا الْعَقْرَبُ فَكَانَ رَجُلًا هَمَّازاً لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ ، وَ أَمَّا الضَّبُّ فَكَانَ رَجُلًا أَعْرَابِيّاً يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ ، وَ أَمَّا الْعَنْكَبُوتُ فَكَانَتِ امْرَأَةً سَحَرَتْ زَوْجَهَا ، وَ أَمَّا الدُّعْمُوصُ فَكَانَ رَجُلًا نَمَّاماً يَقْطَعُ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ ، وَ أَمَّا الْجِرِّيُّ فَكَانَ رَجُلًا دَيُّوثاً يَجْلِبُ الرِّجَالَ عَلَى حَلَائِلِهِ ، وَ أَمَّا الْوَطْوَاطُ فَكَانَ رَجُلًا سَارِقاً يَسْرِقُ الرُّطَبَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ، وَ أَمَّا الْقِرَدَةُ فَالْيَهُودُ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ ، وَ أَمَّا الْخَنَازِيرُ فَالنَّصَارَى حِينَ سَأَلُوا الْمَائِدَةَ فَكَانُوا بَعْدَ نُزُولِهَا أَشَدَّ مَا كَانُوا تَكْذِيباً ، وَ أَمَّا سُهَيْلٌ فَكَانَ رَجُلًا عَشَّاراً بِالْيَمَنِ ، وَ أَمَّا الزُّهَرَةُ فَإِنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً تُسَمَّى نَاهِيدَ وَ هِيَ الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ افْتَتَنَ بِهَا هَارُوتُ وَ مَارُوتُ " [13] .
حكم المُسُوخ في الشريعة الإسلامية :تؤكد الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) على حرمة أكل لحوم الممسوخات ، و فيما يلي نشير إلى بعض تلك الأحاديث :
قال الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) في حديث طويل : " … و حرّم اللهُ عَزَّ و جَلَّ و رَسُولُه ( صلَّى الله عليه و آله ) المُسُوخَ جميعها " [14] .
علة تحريم أكل المُسُوخ :
رُوِي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) في حديث طويل أنه قال : " ... إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَسَخَ قَوْماً فِي صُوَرٍ شَتَّى ، شِبْهِ الْخِنْزِيرِ ، وَ الْقِرْدِ ، وَ الدُّبِّ ، وَ مَا كَانَ مِنَ الْمُسُوخِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ أَكْلِهِ لِلْمَثُلَةِ ، لِكَيْلَا يَنْتَفِعَ النَّاسُ بِهَا وَ لَا يُسْتَخَفَّ بِعُقُوبَتِهَا ... [15] .
--------------------------------------------------------------------------------
[1] القران الكريم : سورة البقرة ( 2 ) ، الآية : 65 ، الصفحة : 10 .
[2] القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 60 ، الصفحة : 118 .
[3] القران الكريم : سورة الأعراف ( 7 ) ، الآية : 166 ، الصفحة : 172 .
[4] القران الكريم : سورة سبأ ( 34 ) ، الآية : 19 ، الصفحة : 430 .
[5] الكافي : 6 / 244 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني ، المُلَقَّب بثقة الإسلام ، المتوفى سنة : 329 هجرية ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، سنة : 1365 هجرية / شمسية ، طهران / إيران .
[6] الدَعموص : كبرغوث ، و الجمع : دَعاميص و دَعامِص ، دويبة سوداء تغوص في الماء ، و تكون في العذرات ، مجمع البحرين : 4 / 170 .
[7] الجِرِّيث : نوع من السمك يشبه الحيّات .
[8] قَالَ الصَّدُوقُ ( رحمه الله ) : سُهَيْلٌ وَ الزُّهَرَةُ دَابَّتَانِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ الْمُطِيفِ بِالدُّنْيَا .
[9] وسائل الشيعة ( تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ) : 24 / 109 ، للشيخ محمد بن الحسن بن علي ، المعروف بالحُر العاملي ، المولود سنة : 1033 هجرية بجبل عامل لبنان ، و المتوفى سنة : 1104 هجرية بمشهد الإمام الرضا ( عليه السَّلام ) و المدفون بها ، طبعة : مؤسسة آل البيت ، سنة : 1409 هجرية ، قم / إيران .
[10] أي الإمام جعفر بن محمد الصَّادق ( عليه السَّلام ) ، سادس أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
[11] الوَطْواط : الخَطّاف أو الخفاش ، و الجمع : وَطَاوِط .
[12] وسائل الشيعة : 24 / 110 .
[13] وسائل الشيعة : 24 / 110 .
[14] الكافي : 6 / 247 .